ابن حجر العسقلاني

430

فتح الباري

يسمى كسبا وبسط أدلتهم يطول وقد أخرج أحمد وأبو يعلى من طريق أيوب بن زياد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت حدثني أبي قال دخلت على عبادة وهو مريض فقلت أوصني فقال إنك لن تطعم طعم الايمان ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره وهو أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك الحديث وفيه وان مت ولست على ذلك دخلت النار وأخرجه الطبراني من وجه آخر بسند حسن عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء مرفوعا مقتصرا على قوله إن العبد لا يبلغ حقيقة الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وسيأتي الالمام بشئ منه في كتاب التوحيد في الكلام على خلق أفعال العباد إن شاء الله تعالى وفي الحديث ان الاقدار غالبة والعاقبة غائبة فلا ينبغي لاحد ان يغتر بظاهر الحال ومن ثم شرع الدعاء بالثبات على الدين وبحسن الخاتمة وسيأتي في حديث علي الآتي بعد بابين سؤال الصحابة عن فائدة العمل مع تقدم التقدير والجواب عنه اعملوا فكل ميسر لما خلق له وظاهره قد يعارض حديث ابن مسعود المذكور في هذا الباب والجمع بينهما حمل حديث علي على الأكثر الأغلب وحمل حديث الباب على الأقل ولكنه لما كان جائزا تعين طلب الثبات وحكى ابن التين ان عمر بن عبد العزيز لما سمع هذا الحديث أنكره وقال كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعة ثم لا يدخل الجنة انتهى وتوقف شيخنا ابن الملقن في صحة ذلك عن عمر وظهر لي أنه ان ثبت عنه حمل على أن راويه حذف منه قوله في آخره فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها أو أكمل الراوي لكن استبعد عمر وقوعه وإن كان جائزا ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة * الحديث الثاني حديث أنس ( قوله حماد ) هو ابن زيد وعبيد الله بن أبي بكر أي ابن أنس بن مالك ( قوله وكل الله بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة الخ ) أي يقول كل كلمة من ذلك في الوقت الذي تصير فيه كذلك كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله وقد مضى شرحه مستوفي فيه وتقدم شئ منه في كتاب الحيض ويجوز في قوله نطفة النصب على إضمار فعل والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وفائدة ذلك أنه يستفهم هل يتكون منها أولا وقوله أن يقضي خلقها أي يأذن فيه ( قوله باب بالتنوين ( جف القلم ) أي فرغت الكتابة إشارة إن أن الذي كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه فهو كناية عن الفراغ من الكتابة لان الصحيفة حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم فإذا انتهت الكتابة جفت الكتابة والقلم وقال الطيبي هو من إطلاق اللازم على الملزوم لان الفراغ من الكتابة يستلزم جفاف القلم عن مداده ( قلت ) وفيه إشارة إلى أن كتابة ذلك انقضت من أمد بعيد وقال عياض معنى جف القلم أي لم يكتب بعد ذلك شيئا وكتاب الله ولوحه وقلمه من غيبه ومن علمه الذي يلزمنا الايمان به ولا يلزمنا معرفة صفته وانما خوطبنا بما عهدنا فيما فرغنا من كتابته أن القلم يصير جافا للاستغناء عنه ( قوله على علم الله ) أي على حكمه لان معلومه لا بد أن يقع فعلمه بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه وهذا لفظ حديث أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من طريق عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله وأخرجه أحمد وابن حبان من طريق أخرى عن أبي الديلمي نحوه